في سياق التوترات السورية المستمرة، عادت فكرة “دولة جبل الباشان” (أو جبل الدروز) إلى الواجهة كشعار لبعض دعوات الانفصال عن سوريا، مستمدة من تراث تاريخي يعود إلى القرن التاسع عشر، ومن تجارب الكيانات المحلية في زمن الانتداب الفرنسي. غير أنّ هذا الشعار، عند إخضاعه للفحص التاريخي والاقتصادي والجغرافي والقانوني، يبدو مشروعًا غير واقعي، يفتقر إلى مقوّمات الدولة الحديثة وإلى مقوّمات البقاء في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.[1][2][3][4][5]
هذا التقرير يحاول تقديم قراءة موسَّعة للفكرة، عبر أربعة مسارات رئيسية:
- الجذور التاريخية لمفهوم “جبل الباشان” وتحوله بين العهد العثماني والانتداب الفرنسي.
- محاولات إحياء المشروع في القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، وسياقات كلّ موجة.
- المعطيات الاقتصادية والجغرافية والاجتماعية والأمنية التي تجعل المشروع غير قابل للحياة اليوم.
- الإطار القانوني الدولي، وحدود “حق تقرير المصير” في حالة السويداء.
أولًا: الجذور التاريخية – من جبل الدروز العثماني إلى “دولة جبل الدروز” في زمن الانتداب
1. جبل حوران / جبل الدروز في العهد العثماني
تُعدّ منطقة جبل حوران (التي تشمل اليوم محافظة السويداء وأجزاء من درعا والقنيطرة) موطنًا تاريخيًا للجماعات الدرزية منذ القرن السابع عشر، حيث تشكّل عبر الزمن مجتمع جبلي شبه مكتفٍ زراعيًا، يحتفظ بهامش من الحكم الذاتي داخل السلطنة العثمانية.[1][2]
- خلال القرن التاسع عشر، برزت مشيخات وعائلات نافذة – أبرزها آل الأطرش – استطاعت أن تدير شؤون الجبل نسبيًا، عبر جباية الضرائب وتسوية النزاعات المحلية وقيادة التحالفات مع القبائل البدوية المحيطة في حوران واللجاة والبادية.
- كانت ولاية دمشق هي المرجعية الإدارية العليا، لكن قدرة الدولة العثمانية على بسط سلطتها الفعلية على الجبل بقيت محدودة بفعل الطبيعة الجبلية الوعرة، ووجود قوة محلية مسلّحة قادرة على التفاوض والمقاومة.[2][3]
هذا الوضع خلق ما يشبه “شبه دولة قبل الدولة الحديثة”: مجتمع له نخبه المحلية، يقدّم قدرًا من الأمن الداخلي لأهله، لكنه في الوقت نفسه يبقى جزءًا من منظومة أوسع اقتصاديًا وإداريًا.
2. إمارة الشيخ إسماعيل الأطرش ولقب “أمير الباشان”
في منتصف القرن التاسع عشر، ومع تصاعد الاضطرابات في بلاد الشام (أحداث 1860 في جبل لبنان ودمشق)، برز الشيخ إسماعيل الأطرش بوصفه قائدًا عسكريًا وسياسيًا، استطاع أن يوسّع نفوذ عائلته ويُخضع معظم العشائر الدرزية في جبل حوران.[2][3]
- تشير مراجع تاريخية إلى أن إسماعيل الأطرش تبنّى لقب “أمير الباشان”، في استعادة لاسم توراتي/تاريخي لمنطقة حوران، بما فيها الجبل.[2]
- خلال فترة ازدهار نفوذه، أدار إسماعيل شؤون الجبل عمليًا: فرض ضرائب محلية، نسّق تحالفات مع قبائل بدوية، وتعرّض لحملات عسكرية عثمانية كان يصدّها أحيانًا ويتراجع أمامها أحيانًا أخرى.
- تصفه كتابات أمين الريحاني في “ملوك العرب” (1924) بوصفه رأس “دولة صغيرة في الجبال”، لكن هذه “الدولة” لم تمتلك مقوّمات الاستقلال المالي أو الاعتراف الدولي، وكانت مرتبطة اقتصاديًا بأسواق دمشق وحوران.[3]
انتهت هذه الإمارة عمليًا عام 1883 بعد مقتل إسماعيل الأطرش، ودخول القوات العثمانية بقوة أكبر إلى الجبل، وهو ما بيّن هشاشة الكيان القائم على الزعامة الفردية والسلاح، في مواجهة دولة مركزية بدأت تتجه نحو التحديث وبناء جيش نظامي.
3. “دولة جبل الدروز” في زمن الانتداب الفرنسي
بعد انهيار الدولة العثمانية ودخول الفرنسيين إلى سوريا، اعتمدت سلطة الانتداب سياسة “التقسيم الإداري – الطائفي” لإنشاء كيانات منفصلة (دولة دمشق، دولة العلويين، دولة جبل الدروز، دولة حلب…).
- في عام 1921، أعلن الفرنسيون رسميًا إنشاء “دولة جبل الدروز”، عاصمتها السويداء، بمساحة تقارب 3200 كم²، تضم أجزاء من حوران والقنيطرة مع غالبية سكانية درزية.[4]
- كانت هذه “الدولة” قائمة شكليًا على حكم محلي، مع مجلس ومتصرف، لكنها في الواقع محمية فرنسية خاضعة لقرار المفوض السامي في بيروت ودمشق.
- اعتمدت مالياً على الدعم الفرنسي، وعلى تحويلات من دمشق، ولم تمتلك سياسة خارجية مستقلة ولا جيشًا وطنيًا بالمعنى الحديث.[4][2]
ثورة سلطان باشا الأطرش عام 1925 ضد الفرنسيين انطلقت من هذا الجبل بالذات، تحت شعار الوحدة السورية، ورفض تقسيم البلاد إلى دويلات طائفية. وفي 1936، جرى دمج “دولة جبل الدروز” ضمن الدولة السورية الناشئة، بعد مفاوضات مع الكتلة الوطنية، لتصبح المحافظة جزءًا من سوريا الموحدة.[4][1]
إذًا، حتى في التجربة الوحيدة التي حملت رسميًا اسم “دولة جبل الدروز”، كان الكيان قائمًا بقرار خارجي (فرنسي)، وانهار لصالح مشروع الدولة السورية الموحدة، بمشاركة قيادات درزية نفسها.
ثانيًا: محاولات إحياء الفكرة في العصر الحديث
1. أطروحات “الكانتون” في الستينيات والسبعينيات
بعد استلام حزب البعث السلطة في سوريا عام 1963، وبدء سياسة مركزية قوية في الحكم والإدارة والأمن، ظهرت في بعض أوساط النخب الدرزية في المهجر والداخل أفكار حول “كانتون درزي” أو “إدارة ذاتية موسعة” في الجبل، خصوصًا خلال أزمات 1966 و1970.[2]
- ظلّ هذا النقاش نخبويًا ومحدودًا، ولم يتحوّل إلى مشروع عملي على الأرض.
- قوبل عادة برفض من القيادات التقليدية والدينية التي رأت في ربط مصير الدروز بمصير الدولة السورية خيارًا أكثر أمانًا من الدخول في مواجهة مفتوحة مع المركز.
- مع صعود حافظ الأسد وبدء سياسة “الاستقرار الأمني” وتثبيت تحالفات مع الأقليات، تراجعت هذه الأطروحات إلى الهامش.
2. زمن الحرب السورية (2011–2024): من الدفاع الذاتي إلى شعارات “الاستقلال”
مع اندلاع الاحتجاجات السورية عام 2011 وتحوّلها إلى حرب متعددة الأطراف، وجدت السويداء نفسها في موقع بالغ الحساسية:
- من جهة، رفض جزء واسع من المجتمع الانخراط في الصراع المسلح، وتبنّى سياسة “النأي بالنفس” عن جبهات القتال الكبرى.
- من جهة أخرى، ظهرت تهديدات جسيمة من قبل تنظيمات متطرفة مثل “داعش”، ومن توسع فصائل مسلحة معارضة في محيط المحافظة.
هذه البيئة أدت إلى ظهور تشكيلات محلية مسلّحة ذات طابع دفاعي – أهلي، تحاول حماية القرى والبلدات، وفرض نوع من الإدارة الذاتية للأمن اليومي. من بين هذه التشكيلات:
- مجموعات محلية مسلحة ارتبطت بعائلات ووجهاء، تولّت إدارة الحواجز والتنظيم الداخلي.
- مبادرات أهلية لضبط السلاح العشوائي، وتأمين حد أدنى من الخدمات، مع استمرار الاعتماد على مؤسسات الدولة في مجالات مثل الرواتب، والقمح، والكهرباء.[6][10]
في 2015 وما بعدها، ظهرت تسميات مثل “مجلس حوران العسكري” أو “حكومة الإنقاذ الجبلية” في بعض البيانات، لكنها لم تتطوّر إلى مؤسسات متماسكة لديها رؤية واضحة لإنشاء دولة مستقلة. سرعان ما تعرّضت هذه المحاولات إلى ضغوط متعددة: انقسامات داخلية، اختراقات أمنية، وضغط من السلطة المركزية.[6][14]
3. عام 2025: ذروة الشعارات الانفصالية وحدودها الواقعية
في صيف 2025، وبعد حوادث أمنية دامية وإعدامات ميدانية في المحافظة، شهدت السويداء موجة جديدة من الاحتجاجات. رفعت بعض المظاهرات شعارات:
- “دولة جبل الباشان”،
- “الاستقلال عن سلطة دمشق”،
- “تقرير المصير”.[7][9]
تزامن ذلك مع تشكيل أطر مسلحة وإدارية جديدة، مثل ما سُمي بـ“المجلس العسكري لجبل الدروز”، ومحاولات لتأسيس “إدارة ذاتية” تتحكم بالحواجز والحدود الداخلية للمحافظة.[6][7]
لكن التقارير الميدانية نفسها أشارت إلى:
- انقسام واضح داخل المجتمع: عشائر ومرجعيات دينية واجتماعية اعتبرت شعارات “الاستقلال” مغامرة خطرة تضرّ بأمن الجبل وعلاقاته مع محيطه، وأكدت على خيار “التغيير ضمن سوريا لا خارجها”.[9][11]
- غياب أي اعتراف خارجي: لا من الأمم المتحدة، ولا من دول الجوار، ولا من القوى الدولية المؤثرة في الملف السوري، بأي شكل من أشكال “دولة الجبل”.[7][14]
بهذا المعنى، بقيت الفكرة مجرّد شعار احتجاجي في لحظة توتر قصوى، لا مشروعًا سياسيًا مكتمل الأركان.
ثالثًا: الاعتماد الاقتصادي البنيوي للسويداء على المحيط السوري
1. الإمدادات الأساسية: الطحين، الوقود، والدواء
أظهرت أزمات السنوات الأخيرة أن السويداء تعتمد بشكل شبه كامل على خطوط الإمداد القادمة من دمشق ومناطق سورية أخرى:
- الطريق الرئيسي بين السويداء ودمشق هو الشريان الأساس لدخول الطحين والوقود والأدوية ومواد البناء. أي انقطاع أو إغلاق لهذا الطريق – كما حدث في بعض فترات 2025 – أدى فورًا إلى طوابير على الأفران، ونقص في المحروقات، وتعطل أنشطة اقتصادية حيوية.[10][13]
- تشير تقارير اقتصادية إلى أن ما يزيد عن 70–80٪ من احتياجات المحافظة من الوقود والمواد الأساسية يأتي عبر شبكات توزيع وطنية مركزية، وليس عبر إنتاج محلي أو استيراد مباشر.[13][14]
في ظل هذا الواقع، فإن أي “دولة” مفترضة في السويداء ستبدأ وجودها من دون سيطرة على خطوط الإمداد ولا على الموانئ ولا على الحدود التجارية الدولية.
2. بنية الزراعة والتجارة الداخلية
تعتمد السويداء تاريخيًا على الزراعة (العنب، التفاح، الحبوب، الخضار) والرعي، مع توسع نسبي في قطاع الخدمات والوظائف الحكومية خلال العقود الأخيرة.[1][13]
- الأسواق الأساسية لتصريف المنتجات الزراعية هي دمشق وحمص وحلب ومدن سورية أخرى.
- شبكات النقل، المخازن، ووكلاء التوزيع ينتمون إلى منظومة الاقتصاد السوري ككل.
- لا تملك المحافظة مرفأ بحريًا، ولا مطارًا تجاريًا فعّالًا، ولا معابر حدودية مستقلة مع دولة أخرى يمكن أن تكون بديلًا عن سوريا.
بالتالي، حتى لو فُرضت حدود سياسية جديدة، فإن البنية الاقتصادية الفعلية ستبقى متشابكة مع الداخل السوري؛ ومحاولة فصلها قسرًا تعني عمليًا انهيار أجزاء واسعة من النشاط الاقتصادي، أو الارتهان الكامل لقوة خارجية تتكفّل بفتح ممرات تجارية ضيقة.
3. غياب الموارد الطبيعية الاستراتيجية
على عكس بعض الأقاليم التي تملك موارد نفطية أو غازية أو مائية تتيح لها قدرًا من الاستقلال المالي، لا توجد في السويداء حقول كبيرة معروفة من النفط أو الغاز، كما أن موارد المياه محدودة نسبيًا وتعتمد على الأمطار والآبار الجوفية والمشروعات المائية الوطنية.[1][13]
هذا يعني أن أي كيان سياسي مستقل سيفتقد إلى مصدر دخل استراتيجي يمكّنه من تمويل:
- مؤسسات دولة كاملة (جيش، أجهزة أمن، قضاء، تعليم، صحة).
- شبكات دعم اجتماعي للفئات الفقيرة.
- بنية تحتية مستقلة للطاقة والنقل.
دون هذه المقومات، يصبح الكيان المقترح معتمدًا بالكامل على المساعدات والقروض، أي خاضعًا سياسيًا لمن يموّله.
رابعًا: الجغرافيا والأمن – جبل محاصر لا “جمهورية جبال” مفتوحة
1. موقع داخلي بلا منفذ بحري
تقع السويداء جنوب سوريا، محاطة بما يلي:
- من الشمال: ريف دمشق.
- من الغرب: درعا والقنيطرة.
- من الشرق: البادية السورية.
- من الجنوب: الحدود مع الأردن.
هذا الموقع يجعلها محافظة داخلية بالكامل، بلا منفذ بحري أو ممر مباشر إلى أي ميناء، وبلا مطار دولي مدني فعّال. في المقابل، الكثير من “الدول الصغيرة” في العالم اعتمدت على منافذ بحرية أو على ممرات آمنة معترف بها دوليًا لتستطيع البقاء اقتصاديًا وسياسيًا.
2. البيئة الأمنية المحيطة
التقارير الميدانية عن الاشتباكات في جنوب سوريا منذ يوليو 2025 تبرز تعقيد المشهد الأمني:[8][15][16]
- انتشار فصائل مسلحة متنوعة في درعا وأطراف السويداء، بعضها معارض للنظام، وبعضها محلي بأجندات مختلفة، وبعضها متهم بالارتباط بجهات خارجية.
- وجود خلايا لتنظيمات متطرفة في البادية ومحيطها، ولو بشكل متقطّع.
- حضور أمني وعسكري للنظام وحلفائه في نقاط محددة.
في هذا السياق، أي محاولة لرسم حدود سياسية جديدة لكيان مستقل في السويداء تعني مباشرة الدخول في مفاوضات وصدامات مع هذه القوى كلها، في وقت واحد، مع افتقار الجبل إلى جيش موحّد وإلى دعم دولي واضح.
3. وهم “الممر نحو إسرائيل”
طرحت بعض الأصوات إعلاميًا فكرة أنّ الكيان المفترض يمكنه البقاء إذا امتدّ غربًا نحو القنيطرة، وحصل على “ممر” أو معبر مع إسرائيل، بما يتيح له التجارة والحماية.
لكن قراءة بسيطة للمعطيات توضح عدة نقاط:
- إسرائيل تتعامل بحساسية شديدة مع أي تغيّر جغرافي أو ديمغرافي قرب حدود الجولان المحتل، وتركّز منذ عقود على “هدوء الجبهة”، لا على إنشاء كيان جديد متقلّب الهوية في هذه المنطقة.
- دمشق أعلنت بوضوح رفض أي مشروع من هذا النوع، وتعتبره “تقسيما” لسوريا وتعاونًا مع عدو خارجي.[9][15]
- أي تحوّل للسويداء إلى كيان مرتبط مباشرة بإسرائيل سيضعها في مواجهة سياسية وشعبية مع جزء كبير من السوريين والفلسطينيين والأردنيين، ويحوّلها إلى ساحة توتر مستمر.
تاريخيًا، لم تكن إمارة الأطرش ولا “دولة جبل الدروز” في زمن الانتداب قائمة على علاقة خاصة مع إسرائيل (التي لم تكن موجودة كدولة وقت الإمارة)، بل على تحالفات داخلية مع دمشق وحوران والبادية.[2][4]
خامسًا: الانقسام الداخلي الدرزِي وحدود “الإجماع”
1. انقسامات تاريخية داخل الجبل
تظهر الوثائق العثمانية والروايات الشفوية أن جبل الدروز عرف، إلى جانب لحظات الوحدة، فترات طويلة من الخلافات بين العائلات الكبرى والعشائر (مثل الأطرش والحمد وغيرهما)، وأن كثيرًا من الحملات العسكرية على الجبل نجحت حين استُغلت هذه الانقسامات.[2][17]
هذا الإرث لم يختفِ تمامًا؛ فقد بقيت البنية الاجتماعية في الجبل مركّبة من عائلات، قرى، مرجعيات دينية ومحلية، لكل منها نفوذ ضمن مجالها.
2. الانقسامات المعاصرة حول مشروع “الاستقلال”
في أزمات 2023–2025، برزت الخلافات بين فصائل مسلحة وتيارات سياسية داخل السويداء نفسها:[11][17][18]
- بعض المجموعات رفعت خطابًا قريبًا من “الحكم الذاتي” أو “الاستقلال”.
- في المقابل، صدرت بيانات عن فصائل وشخصيات دينية واجتماعية ترفض هذا الخيار، وتؤكد أن “السويداء جزء من سوريا” وأن الحل في “تغيير سياسي شامل” لا في التقسيم.
- شهدت المحافظة حملات اعتقال واستهداف متبادل بين أطراف محلية، في محاولة كلٍّ منها لفرض رؤيته أو إقصاء خصومه.
هذا يعني أن أي حديث عن “إجماع درزي” على مشروع دولة مستقلة لا يستند إلى واقع ملموس؛ بل إن الإصرار على هذا المشروع قد يسرّع في تفجير صراع داخلي درزي–درزي، قبل أي صراع مع المحيط.
3. دور المرجعيات الدينية وحدوده
تُعدّ المرجعيات الدينية (شيوخ العقل) عنصرًا أساسيًا في تماسك المجتمع الدرزي في السويداء، لكنها تاريخيًا لم تكن سلطة دولة بالمعنى القانوني:
- في سوريا، ظلّ دورها أقرب إلى الوساطة الاجتماعية، وحفظ التقاليد، ورعاية القيم الدينية.
- في إسرائيل، رغم تجنيد الدروز في الجيش ووجود زعامات محلية، فإن الإدارة اليومية للبلدات تتم عبر بلديات ومؤسسات مدنية ضمن دولة مركزية، وليست عبر مشيخة عقل تدير الاقتصاد والحدود.[19]
- في إيران، حيث تلعب المرجعية الدينية الشيعية دورًا في بنية النظام، يوجد برلمان، وحكومة، ومؤسسات مدنية ضخمة تضطلع بمعظم وظائف الدولة.
في حالة السويداء، لا توجد اليوم مؤسسات تشريعية منتخبة محلية، ولا منظومة قضاء مستقلة مكتملة، ولا إدارة مدنية موحَّدة، يمكن أن تتحوّل فجأة إلى “حكومة دولة” فقط بقرار من مرجعية دينية أو مجموعة مسلحة.
تحويل المرجعية الدينية إلى سلطة دولة يعرّضها أيضًا لخطر التسييس والانقسام، ويضعها في مواجهة مباشرة مع فئات من المجتمع قد لا تتفق مع هذا الخيار.
سادسًا: الإعلام، المخيال الجمعي، وتضخيم فكرة “الدولة”
مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، اكتسبت الشعارات السياسية الجديدة سرعة انتشار غير مسبوقة. في حالة السويداء، ساهمت مجموعة من العوامل في تضخيم فكرة “دولة جبل الباشان”:
- الصور والشعارات الرمزية: رفع أعلام خاصة، استخدام مصطلحات تاريخية (الباشان، إمارة الجبل)، وتداول خرائط متخيَّلة للكيان المفترض.
- خطاب المظلومية: التركيز على عقود من التهميش الاقتصادي والسياسي، وربطها بفكرة “الخلاص عبر كيان منفصل”، دون تقديم دراسة جدوى حقيقية.
- المنصات الإعلامية المنحازة: بعض المنصات الإقليمية والدولية استخدمت الملف لإبراز “تفكك سوريا” أو “خطر التقسيم”، لأهداف سياسية تخصها، مما ساهم في جعل الفكرة تبدو أكبر من حجمها الواقعي.[10][11]
هذا التفاعل بين الألم الحقيقي (اقتصاديًا وأمنيًا) وبين الخطاب الإعلامي، أنتج حالة من الالتباس بين:
- حق الناس في الاحتجاج والمطالبة بالكرامة والعدالة,
- ومشروع سياسي كامل بانفصال إقليمي لا تملك الأرضية اللازمة.
سابعًا: الإطار القانوني الدولي – بين “حق تقرير المصير” و“وحدة الأراضي”
1. حق تقرير المصير في القانون الدولي
ينص ميثاق الأمم المتحدة والعهدان الدوليان للحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على “حق الشعوب في تقرير مصيرها”. تقليديًا، فُسِّر هذا الحق في سياقين أساسيين:[12][20]
- حركات التحرّر من الاستعمار: حيث كان يُستخدم لتبرير استقلال دول خاضعة لسيطرة استعمارية مباشرة (الهند، الجزائر، دول أفريقيا…).
- تقرير المصير الداخلي: أي حق الجماعات ضمن الدولة الواحدة في المشاركة السياسية، والتمتع بالحقوق الثقافية والدينية، وربما أشكال من الحكم الذاتي.
في المقابل، يؤكد مبدأ آخر في القانون الدولي على “احترام وحدة وسلامة أراضي الدول”. قرار الجمعية العامة رقم 2625 لعام 1970 يشدّد على عدم جواز المساس بحدود الدول القائمة بالقوة أو بقرارات أحادية من طرف واحد.[12]
نتيجة لهذا التوتر بين المبدأين، تميل معظم الدول والهيئات الدولية إلى تفسير “تقرير المصير” بطريقة لا تهدد وحدة الدول القائمة، إلا في حالات استثنائية جدًا (استعمار مباشر، إبادة جماعية، رفض تام لأي حل داخلي).
2. حالات مقارنة ولماذا لا تشبهها السويداء
يستشهد البعض بتجارب مثل كوسوفو، جنوب السودان، أو تيمور الشرقية، لتبرير إمكان قيام كيانات جديدة. لكن هذه الحالات تتميّز بعناصر لم تتوفر في حالة السويداء:[12][20]
- وجود نزاعات مسلّحة واسعة النطاق ذات طابع إثني/قومي صريح بين الإقليم وبقية الدولة.
- صدور قرارات خاصة من مجلس الأمن أو رعاية دولية مباشرة لمسارات الاستفتاء والاستقلال.
- أوضاع إنسانية قصوى من تطهير عرقي أو إبادة جماعية، جعلت الاستمرار ضمن الدولة الأم مرفوضًا دوليًا.
في حالة السويداء:
- لم يصدر أي قرار دولي يفتح الباب لاستفتاء على الاستقلال.
- تُدرج الأمم المتحدة ومعظم الدول المحافظة ضمن حدود سوريا الحالية.
- تُطرح حلول من نوع: إصلاح سياسي، لامركزية، أو حكم محلي موسع، لا تقسيم كامل للبلاد.[14][20]
3. موقع مشروع “دولة جبل الباشان” ضمن هذا الإطار
عند وضع مشروع “دولة جبل الباشان” في هذا السياق القانوني:
- لا يبدو أن هناك سندًا قانونيًا دوليًا واضحًا يتيح للسويداء أن تعلن استقلالها من طرف واحد وتحصل على اعتراف دولي واسع.
- أي إعلان من هذا النوع سيكون، وفق التفسير السائد، عملًا أحاديًا يتعارض مع مبدأ وحدة الأراضي السورية.
- فرص الاعتراف الدولي به تبدو ضئيلة جدًا، في ظل تخوف دول المنطقة والعالم من فتح باب “الدويلات الطائفية” في المشرق.
ثامنًا: مآلات محتملة وقراءة في مستقبل الفكرة
من خلال تتبّع المسار التاريخي والمعطيات الراهنة، يمكن رصد عدد من المآلات المحتملة لفكرة “دولة جبل الباشان”:
- تراجع تدريجي للشعار مع تغيّر الظروف
تشير التجارب السابقة إلى أن الشعارات التي تتغذى على لحظات الانفجار العاطفي والسياسي تميل إلى الانكماش عندما تتغيّر الموازين أو تهدأ الجبهات، خاصة إذا لم تتجسّد في مؤسسات حقيقية. - استمرار استخدام الفكرة كورقة ضغط سياسية
قد تبقى الفكرة حاضرة في خطابات بعض الأطراف، ليس كمشروع واقعي بل كوسيلة للضغط على المركز السوري أو على القوى الإقليمية، من أجل انتزاع مكاسب في الحكم المحلي أو الأمان أو التنمية. - خطر تحوّلها إلى ذريعة لصراع داخلي أو خارجي
إذا دُفِعت الفكرة باتجاه خطوات عملية (حواجز حدودية، مؤسسات موازية، استقدام دعم خارجي مباشر)، فقد تصبح ذريعة لتدخل عسكري أو أمني من دمشق أو من قوى أخرى، أو سببًا لصدامات داخل المجتمع الدرزي نفسه.
في جميع هذه السيناريوهات، تبقى النتيجة المشتركة التي تُظهرها المعطيات: أن المشروع، كما طُرح حتى الآن، لا يستوفي مقوّمات دولة قابلة للحياة اقتصاديًا وجغرافيًا وقانونيًا.
خاتمة: بين استحضار الماضي وبناء المستقبل
تُظهر العودة إلى التاريخ أن:
- “إمارة الباشان” في القرن التاسع عشر كانت قائمة على زعامة فردية وقوة سلاح في زمن دولة عثمانية ضعيفة في الأطراف، وانهارت سريعًا أمام إرادة مركزية أقوى.
- “دولة جبل الدروز” في زمن الانتداب الفرنسي كانت أداة في مشروع تقسيم استعماري، وانتهت بقرار دولي ومحلي لصالح قيام دولة سورية موحّدة.[1][2][4]
وتُظهر القراءة في الحاضر أن:
- اقتصاد السويداء، أمنها الغذائي، ومواردها الحيوية، مرتبط عضوياً ببقية سوريا.
- موقعها الجغرافي المحاط، والظروف الأمنية في الجنوب السوري، لا يسمحان بقيام كيان مستقرّ بلا منافذ ولا دعم دولي واضح.
- الانقسام الداخلي، وغياب مؤسسات دولة حقيقية، يجعل فكرة “دولة خاصة” وصفة لاحتمالات صراع أكثر من كونها ضمانة أمان.
- القانون الدولي يميل إلى حماية وحدة سوريا، مع البحث عن صيغ حكم محلي ولامركزية، لا إلى تشجيع قيام دويلات جديدة في منطقة متفجرة.[12][14][20]
من ثمّ، تبدو فكرة “دولة جبل الباشان”، كما تظهر في الخطابات المعاصرة، أقرب إلى وهم سياسي متكرر، يعيد تدوير بعض صور الماضي من دون أن يوفّر أجوبة واقعية لأسئلة الحاضر: الخبز، الوقود، التعليم، الصحة، الأمن، والعلاقة مع المحيط.







