رائد المتني… الجريمة التي كشفت ثمن الصمت في السويداء.

السويداء

قبل أشهر، بادرتُ بسؤال أصدقائي في السويداء عن سبب صمتهم حيال تعيين ضباط فارّين من أجهزة الأمن والجيش—ممن ارتبطت أسماؤهم بانتهاكات ضد السوريين— أم لم ترتبط حتى الآن، ضمن صفوف ما يُعرف بميليشيا “الحرس الوطني” في المحافظة. صمتهم لم يكن مجرد غياب تعليق سياسي؛ بل كان علامة فارقة تفرض سؤالًا أعمق: كيف يمكن لمجتمع أنهكته الانتهاكات أن يتقبّل عودة ممثليها بصفة جديدة، وكأن شيئًا لم يكن؟

معظم الإجابات التي وصلتني كانت تتأرجح بين الحذر والمرارة. بعضهم قال بوضوح إنهم تعبوا من المواجهة ويريدون “العيش” قبل كل شيء.
آخرون لمحوا إلى أنّ النقاش بات محاطًا بمحرمات، وأن أي اعتراض قد يُفهم على أنه تشكيك بسلطة دينية نافذة يمثلها الشيخ حكمت الهجري، أو محاولة لمزاحمة من يسيطر على القرار في اللحظة الراهنة.

في سوريا، وفي السويداء، الذاكرة ليست مجرد سجل. هي جروح مفتوحة لعائلات دفعت أبناءها إلى المعتقلات، أو استقبلتهم بعد التعذيب، أو ما تزال تنتظرهم منذ سنوات. وهذه الذاكرة لا تُمحى بقرار ديني أو عسكري، ولا تُلغى بتغيير رُتب أو مواقع. ومع ذلك، تُفرض اليوم على المجتمع معادلة جديدة: تقبّلوا الماضي لأنه أصبح جزءًا من الحاضر، واصمتوا لأن الكلام يبدو “خارج اللحظة”.

لكن هناك حقيقة تغيب عن هذا الخطاب: المجتمعات لا تصمت عادةً عن الجرائم إلا عندما لا تكون الضحية منها. وهذا ما شهدناه سابقًا حين تعامل جزء من السوريين مع جرائم نظام الأسد بصمت، فقط لأن الضحية كان “من الآخرين”. الصمت هنا ليس حيادًا، بل شراكة؛ شراكة في استمرار الجريمة، وشراكة في حماية القاتل عبر تجاهل فعلته أو إعادة تصديره بصورة جديدة.

وما يواجهه المجتمع اليوم في السويداء لا يختلف كثيرًا. حين يعود شخص ارتبط اسمه بانتهاكات موثقة ليُعامل كـ”رجل أمن”، فذلك ليس مجرد خلل سياسي؛ بل خلل أخلاقي يضرب أساس العدالة. ماذا يعني ذلك لأهالي الضحايا؟ ماذا يعني لأب فقد ابنه في فرع أمني، حين يرى أحد الجلادين يعود بصفة “حامي الأرض و العرض ورجل كرامة”؟

تبدو محاولة البعض تبسيط الأمر بوصفه “تسوية اضطرارية” أو “ضرورة لحماية المحافظة” محاولة لإسكات الذاكرة لا أكثر. الضرورة لا تُلغي الجريمة، ولا تُسقط حق الضحية، ولا تمنح للمجرم براءة مستحدثة. لا تتحول الجريمة إلى «خطأ» لمجرد مرور الزمن، ولا يصبح الانتهاك ملفًا قابلًا للنسيان لمجرد أن الظروف تغيّرت.

وما حدث منذ يومين مع الشيخ رائد المتني يقدّم مثالًا صارخًا على خطورة هذا المسار. فبعد 48 ساعة فقط من اختطافه، ظهر الشيخ جثة هامدة ملقات أمام المشفى الوطني في السويداء، بلحية حُلقت بالقوة، وتعرّضٍ واضح للتعذيب. هذه الجريمة لم تكن طارئة ولا معزولة؛ كانت دليلًا على أن السكوت عن مجرم، مهما تغيّر موقعه، يعني تمكينه من ارتكاب الجريمة التالية.

أسوأ ما قد يحدث ليس فقط تكرار الانتهاكات، بل تطبيعها. أن نصل إلى لحظة يصبح فيها القاتل بلا اسم، والجلاد بلا تاريخ، والضحية بلا حق. لحظة تُقنع فيها المجتمعات نفسها أن الصمت هو الخيار الممكن. وهذا هو الخطر الحقيقي الذي يواجهه مجتمعنا السوري اليوم: ليس صعود قوة محلية أو تراجع أخرى، بل هشاشة المعنى حين تُمحى الحدود بين الجلاد وابن البلد، وتصبح الذاكرة عبئًا بدل أن تكون دليلًا نحو مستقبل أكثر عدلًا.

تعليق واحد

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *