أرشيف الرعب الجديد.. يفكك منظومة الإفلات من العقاب في سجون الأسد

أرشيف الرعب الجديد.. يفكك منظومة الإفلات من العقاب في سجون الأسد

في أعقاب سقوط نظام الأسد، بدأت تتكشف فصول جديدة من سجل الرعب الذي طالما حكم سوريا. ومع اكتشاف “أرشيف الرعب الجديد”، الذي يضم أكثر من سبعين ألف صورة توثق حالات وفاة داخل المعتقلات، تتضح الأبعاد الحقيقية لآلة القتل الممنهجة التي استمرت في العمل حتى اللحظات الأخيرة من عمر النظام. هذا الأرشيف، الذي يفوق في حجمه “ملفات قيصر” الشهيرة، لا يمثل مجرد دليل إضافي على الجرائم، بل هو شهادة صامتة على عقيدة الإفلات من العقاب التي سمحت لهذه الفظائع بالاستمرار لعقد من الزمان

وارء الأرقام تكمن مأساة إنسانية

خلف كل صورة في هذا الأرشيف تكمن مأساة إنسانية، تتجسد في قصة الشاب مطلق مطلق. فبعد سنوات من البحث المضني والتوسلات لحرس السجون والفروع الأمنية، اكتشفت عائلته مصيره المروع عبر صورة من هذا الكنز الجديد. الصورة، التي تعود إلى عام 2015، تظهر مطلق عارياً وآثار التعذيب واضحة على جسده، مع اسمه مكتوباً بقلم أخضر على بطنه. لقد كشفت البيانات الوصفية للصورة الحقيقة القاسية: وفاة مطلق تحت التعذيب بعد أشهر قليلة من اعتقاله، لتنهي بذلك عقداً من البحث في القبور الجماعية

صورة سيلفي لمطلق بالقرب من المطعم الذي اعتقل فيه في دمشق في شباط 2015
صورة لجثمان مطلق الذي قتل تحت التعذيب في أحد السجون الأسدية

 

 الأرشيف: حجم الجريمة واستمراريتها

يغطي الأرشيف الجديد الفترة ما بين عامي 2015 و2024، وهي سنوات بلغت فيها الحرب السورية ذروتها. ويحتوي على صور لعشرة آلاف ومئتين واثني عشر شخصاً (10,212) قضوا في المعتقلات أو بعد نقلهم إلى المشافي العسكرية. إن هذا الحجم الهائل من التوثيق، الذي التقطه مصورو الشرطة العسكرية السورية أنفسهم، يؤكد الطبيعة البيروقراطية لـ “دولة الرعب” التي أقامها النظام

 

مقارنة بين أرشيفي التوثيق ملفات قيصر (2014) أرشيف الرعب الجديد (2024)
الفترة الزمنية الموثقة ما قبل 2014 2015 – 2024
العدد التقريبي للصور حوالي 55,000 صورة أكثر من 70,000 صورة
عدد الضحايا الموثقين حوالي 11,000 ضحية 10,212 ضحية (مرحلة 2015-2024)
المصدر مصور عسكري منشق (“قيصر”) ضابط عسكري سابق (عقيد) في الشرطة العسكرية
الدلالة الرئيسية كشف الجرائم الممنهجة إثبات استمرارية الجرائم بعد الكشف الأول

 

لقد سُرّب هذا الكنز الجديد من قبل ضابط عسكري سابق برتبة عقيد، كان يترأس قسم حفظ الأدلة لدى الشرطة العسكرية بدمشق، مما يضفي مصداقية إضافية على الوثائق ويؤكد أن التوثيق كان جزءاً أصيلاً من آلية عمل النظام

 الحصانة كوقود لآلة القتل

إن الكشف عن “ملفات قيصر” في عام 2014 أدى إلى إدانة جرائم حرب في ألمانيا وفرض عقوبات دولية، لكن الأرشيف الجديد يثبت أن هذه الإجراءات لم تكن رادعاً كافياً. لقد استمرت آلة القتل في العمل بوتيرة مرعبة، وهو ما يفسره المحامي الحقوقي أنور البني، رئيس المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية في ألمانيا، بأن النظام كان يشعر بـ “الارتياح” لعدم وجود محاسبة فعلية

 

 “خلال الفترة التي التقطت فيها تلك الصور ‘لم يكن أحد يتخيل أن يُحاسب النظام على فعائله’ بدءاً من الرئيس وصولاً لضباط الأمن الأدنى رتبة، وذلك لأن القوانين في سوريا تمنحهم جميعاً ‘حصانة كاملة’.” – أنور البني

 

هذا الشعور بالحصانة هو ما شجع النظام على الاستمرار في توثيق جرائمه بنفسه، وهو ما يفسر أيضاً استمرار التعذيب والقتل الممنهج لآلاف المعارضين، الذين كانت غالبيتهم الساحقة من الذكور، مع وجود حالات موثقة لنساء ورضيع قتل في عام 2017

المحامي أنور البني وهو يدلي بتصريح للصحافة من أمام محكمة كوبلينز بعد إدانة أحد الضباط المتورطين بجرائم حرب في سوريا
تاريخ الصورة: 24 شباط 2021

تحول التوثيق لا توقف القتل

على الرغم من أن عدد الصور الموثقة بلغ ذروته بين عامي 2015 و2017 ثم انخفض بشكل ملحوظ، فإن هذا الانخفاض لا يعني توقف القتل. فبحسب تحليل المحامي البني، يشير التراجع في وتيرة التوثيق إلى أن النظام بدأ يتخلص من الجثث بطرق أخرى، مثل إرسالها إلى مقابر جماعية، وهي ممارسة كانت متبعة سابقاً. هذا التحول في الأسلوب، مع استمرار الجريمة، يؤكد أن الإرادة السياسية للقتل لم تتغير حتى اللحظة الأخيرة [1].

خاتمة: نحو العدالة التاريخية

يمثل “أرشيف الرعب الجديد” وثيقة تاريخية لا يمكن دحضها، تؤكد أن نظام الأسد لم يتوقف عن ممارساته الإجرامية حتى سقوطه. إن هذا الكنز من الصور، الذي حصلت عليه هيئة البث العامة الألمانية ودرسته مؤسسات دولية مثل الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين (ICIJ) والواشنطن بوست، سيلعب دوراً حاسماً في جهود المساءلة والعدالة المستقبلية. إنه يضع الأساس القانوني والتاريخي لفكفكة منظومة الإفلات من العقاب، ويضمن أن تبقى شهادة الضحايا، حتى الصامتة منها، حية في سجل التاريخ.

 

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *